الشيخ محمد الصادقي
459
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
6 - خَلَقَكُمْ ككل على طول خط التناسل الإنساني الأخير مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي آدم كبداية ثُمَّ بعد خلقها جَعَلَ مِنْها من بعضها أو جنسها زَوْجَها فتكامل منشأ الانتسال ككل ، مما يرفض تدخل حورية أو جنية أماهية في ذلك التناسل ، " خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً " ( 4 : 1 ) وَأَنْزَلَ من سماء الرحمة الربانية لَكُمْ مِنَ كافة الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ والكل يشملها وسواها ، فحتى الخنزير منها فضلا عن سائر الحيوان غير المفترسة جوا وبرا وبحرا ، " خَلَقَكُمْ " أن يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ بمراحله الخمس : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ " ( 23 : 14 ) " خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ " فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ هي ظلمة البطن والرحم والمشيمة ذلِكُمُ العظيم هو اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ كله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كما لا خالق إلا هو فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عنه إلى غيره تألها ، و " فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ " * أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ " ( 37 : 86 ) . 7 - إِنْ تَكْفُرُوا باللّه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لكن لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ به وَإِنْ تَشْكُرُوا اللّه يَرْضَهُ لَكُمْ لصالحكم دون حاجة منه إليكم وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ كفرا أو كفرانا وِزْرَ نفس أُخْرى أبدا ، اللهم إلا مثله بأن حمّلتها بكفرها ثُمَّ بعد الدنيا إِلى رَبِّكُمْ لا سواه مَرْجِعُكُمْ بحياة الحساب الجزاء فَيُنَبِّئُكُمْ علما وجزاء بنفس بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ لا يعزب عنه شيء ، ولا يعاقب إلا قدر العصيان . 8 - وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكفور كفرا أو كفرانا ضُرٌّ لا حول له في دفعه ولا قوة ، هنا بعد الإياس عن غيره دَعا رَبَّهُ بعد أن نسيه ، حال كونه مُنِيباً إِلَيْهِ راجعا عما كان يدعوا إليه إلى ربه ثُمَّ بعد كشف الضر عنه إِذا خَوَّلَهُ وهبه نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وهو اللّه وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً كأنها التي خولته نعمة ، " نَسِيَ " تعمدا لِيُضِلَّ غيره عَنْ سَبِيلِهِ ألّا يحسب كشف الضر وتخويل النعمة من ربه قُلْ له تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا حيث الدنيا بجنب الأخرى قليلة مهما كانت طويلة إِنَّكَ بعد تمتع قليل مِنْ أَصْحابِ النَّارِ في دار القرار ، كما كنت من أصحاب النار في دار الفرار . 9 - أمن هو فالت عن عبادة ربه ، أهدى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ يلزم طاعته فيها متخضعا ساجِداً له وَقائِماً وفيه ركوع ، حال كونه يَحْذَرُ الْآخِرَةَ تحذّره عن اللّه وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ بما يقدمه قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ اللّه وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اللّه ، تجاهلا عامدا عاندا ، فالعلم هنا هو معرفة اللّه ، مهما كان سائر العلم لا يستوي مع سائر الجهل إِنَّما يَتَذَكَّرُ فطريا فعقليا فشرعيا ، ذلك الحق المبين أُولُوا الْأَلْبابِ حيث وصلوا إلى ألباب عقولهم بعد رفع أغشاءها . 10 - قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا بربكم اتَّقُوا رَبَّكُمْ علما وعقيدة وعملية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا إيمانهم وتقواهم فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ فيها وفي الأخرى : " رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً " ( 2 : 201 ) وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ للسعة في تقواه : " إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ " ( 29 : 56 ) إِنَّما ليس إلا يُوَفَّى تماما في الأخرى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ كما اتقوه صابرين بغير حساب ما استطاعوا " وَلَدَيْنا مَزِيدٌ " " بِغَيْرِ حِسابٍ " .